مقومات النهضة العربية - أهلاً العربية

مقومات النهضة العربية

بقلم/
مصر : ۹-۱۲-۲۰۱۰ - ۷:۱۵ ص - نشر

مقومات النهضة العربيةيشغل التفكير في المستقبل عقول الكثيرين من العلماء والمثقفين والنبهاء، حيث تتسع دائرة المشتغلين به حتى تشمل الثقافات المعاصرةK وتبدو إرهاصات المستقبل في عيون الكثيرين من صناع الفكر المستنير عبارة عن كيانات جديدة ينبغي الإنطلاق بها لتحقيق الأحلام والطموحات.

طوق النجاة

إن مقومات الإيمان بالقدر خيره وشره وحلوه ومره، كأساس للإطمئنان بما قدره الله عز وجل، ولكن الإنسان المسلم عليه أن يعمل ويكد ويتعب لصالح دينه ودنياه وحياته، بما يخدم أهدافه ويزيد إنتاجه ويصقل شخصيته، فالإسلام ليس دين رهبانية وزهد في الدنيا، لكنه دين وسط، يتعلم منه المرء كيف يضيء مصابيح المستقبل، وفى نفس الوقت لا ينسى نصيبه من الدنيا وأن يعمل للآخرة لأنها المستقبل والحياة الحقيقية.

والعلم والعقل والحضارة أولى بأن تكون عناصر القوة، ولكن الإسلام شدد على العمل وحب الصالح العام وإستثمار القوة والجهد في ما فيه الصلاح والخير للبشر في الدنيا والآخرة، ولعل قول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن يجب أن يتذكره الجميع وهو "إذا قامت القيامة وفى يد أحدكم فسيلة فليزرعها"  والتأمل في هذا الشأن هو لكيفية حال الإنسان لحظة الهول العظيم، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد.

الأمر الإلهي على لسان النبي المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى، يقوم على التفكير في الغد، والعمل للمستقبل، ووضع بذور الخير والرخاء والنماء حتى اللحظة التي ينعدم فيها الأمل في الحياة، لأن الله سبحانه لا يحب من يستسلم من لليأس، أو يكف عن التفكير والعمل والإنتاج، فالله سبحانه وتعالى خلق البشر ليعبدوا الله بالعمل والجد والإجتهاد والتفكير في المستقبل.

فثقافة العمل للمستقبل ينبغي أن تحفر في ذاكرة البشر، وتعمير الأرض يرتكز على معاني سامية من الخير وإشعاع جو من النور القلبي والعقلي، والإيمان بالقضاء والقدر، ومعرفة أن العمل عبادة، وهذه الفكرة المحورية تنطوي على زهد العبادة وطموح المستقبل، وثقافة البناء والتعمير وحب الخير لجميع الخلق.

ولابد من التأكيد على أن الحضارات التي تملك ماضيا زاخرا من الإنجازات والتراثيات، ولديها من الثقافات ما يؤهلها إلى الصعود نحو العالمية، للأسف الكثير منها إنشغلت شعوبه الحالية في أحلام لا طائل منها ولا نتيجة سوى العبث واللهو واللعب والمجون، وإنشغل البعض ببريق الماضي الذي طويت صفحاته، فلم يكن المستقبل بل والحاضر كما كان الماضي.

وليست الشعوب العربية ببعيدة عن تجارب وإرهاصات الحاضر التي كانت فيها تتمسك بتلابيب الماضي السحيق، اللهم إلا إستثناءات نادرة، جعلت البعض يفيقون من غفواتهم على أصوات الحقيقة، وهى تردد أن المستقبل يحتاج إلى العمل، وإلى شحن الهمم، والصعود فوق الضغائن والأحقاد وصغائر النفوس المريضة والسمو بالأهداف فوق الغايات وهو الأمر الذي يعنى الإصلاح.

لعل مشاهير العرب كإبن الهيثم، وإبن سينا، وإبن ماجد، والكندي، والفارباى، ومئات أمثالهم من أعلام العالم العربي ،لهم مكانة بارزة في الحضارات العربية والإسلامية، قد ساهموا في صنع التاريخ الإنسانى، ولكن الأمر الآن يحتاج إلى إستلهام العبر منهم للوقوف على أعتاب القرن القادم، وملء الأرض نهضة حقيقية بمعاول التاريخ السحيق للجمع بين ما تركه الأسلاف وما يقدر عليه الأبناء.

أما الحضارات الغائبة، فتراثها ينبري على ثقافات متأصلة تحتاج إلى مراجعة وتدقيق، وتفحص من قبل العلماء والمثقفين للكشف عن نفائسها من جهة، وفتح آفاق للمستقبل من جهة أخرى، ليستطيع المرء بها رصد الأهداف والوصول إلى الغايات الحضارية والمعرفية، وأخذ طوق النجاة من القضايا الملحة على الساحة المعاصرة للعودة بقوة على طريق التقدم والإزدهار.

صناعة الحضارات

الغريب أن بعض البلدان غير الإسلامية وغير العربية التي كانت بلا حضارة وبلا ماضي، أسست كيانات ثقافية وإقتصادية وعلمية فاقت بها حضارات الشرق، بإستثناء الشرق الأقصى، الذي مثلته خير تمثيل حضارات معاصرة في الصين واليابان والهند، وتلك البلدان إستطاعت فرض كلمتها بثقافة علمية وعمل دءوب نتج عنه صولات وجولات في كافة المحافل الدولية، فبرق حاضرها يحمل صورا خصبة للمستقبل المشرق.

ووصل الأمر إلى ترديد الشعوب في الشرق الأقصى عبارات وبيانات تدل على أيدولوجيات التحرر من القيود، والثورة العلمية والتكنولوجية والفكرية عبر بوابات ثقافية إتسعت عن طريق علماء ونبهاء ومفكرين ملأوا المعمورة بكتابات لا يفض لها غبار، فقد أصبحت الفتوحات العصرية هي الإنجازات العلمية والثقافية والأدبية، ورغم طغيان الماديات إلا أن فنون الأدب وثقافات الفكر وأسس العلوم تبقى أدوات النهضة للشعوب، وليس بدليل على ذلك سوى ما وصلت إليه الأمم الغربية والأمريكية من نتائج إيجابية ملموسة بإحتضانها العلماء والنابهين، وضخ ملايين ومليارات الدولارات لصالح العلم والبحث والأدب والثقافة.

بينما في بلدان العالم النامي والفقير تراجعت كثير من تلك الأسس لتتراجع معها أمم كانت حضاراتها ملء السمع والبصر، ويشار إليها بالبنان على أنها الأقوى والأعظم قدرا، والأجدر على قيادة كوكب الأرض خلال القرون الماضية، فالأوضاع تبدلت لكن يبقى العلم والأدب والعمل كقنوات وحيدة تصنع الحضارات في أى زمان ومكان، ولو تكالبت المحن أو إنقلبت الموازين أو سعى الجهلاء لإحتلال الطبقات العليا من المجتمعات.

الإستثمار البشري والمعرفي

حين طرح زعماء العالم العربي حاليا مشروعات التعليم ومحو الأمية وتعليم الكبار والصغار، وإعتبار الأدب والثقافة والعلم كأدوات للنهضة والرقى، كانوا يريدون إحداث تغييرات حقيقية تستلهم الكثير ممن سبقوا العالم العربي من شعوب الغرب في العصر الحديث، فإعادة بناء الثقافة الشعبية وتنقية الأجواء الفكرية وغرس بذور العلم كلها أهداف نبيلة يمكن بها بناء حضارات جديدة تكون رافدا قوميا لقيام دول متقدمة على أسس سليمة من العلم والفكر والثقافة.

وما كان من الممكن أن تنهض أوروبا والولايات المتحدة واليابان، أو النمور الآسيوية مثل سنغافورة وتايوان وماليزيا وأندونيسيا التي كانت فقيرة ومتخلفة، إلا بعد أن تنبهت إلى أهمية العلم والتعليم والتحديث التكنولوجي، وركزت فيما تملك من أدوات النهضة الشاملة وبالتالي ركزت إستثماراتها في بناء الإنسان وإستثمار الموارد البشرية قبل إقامة المباني الفخمة وشراء السيارات الفارهة، وهى الآن بلا شك تجنى نتائج وثمار هذا الإستثمار المعرفي والبشرى الصحيح، بل وتتقدم الصفوف الأولى في القرون الحالية والقادمة، فالأحرى على العرب التعلم من تلك التجارب المضيئة والمضي قدما في طريق الإنجازات والطموحات بدلا من الإنكفاء على الماضي وما تركه الآباء والأجداد من تراث فاني رغم عظمته.

جمود أم تغيير؟

إن الذين يقاومون أفكار التغيير لن يستطيعوا الصمود أمام تحديات العولمة التي فرضت نفسها بقوة، وسط الأزمات السياسية والإقتصادية المعاصرة التي تسببت فيها، كما أن مواجهة سلبيات القضايا الدولية تحتاج إلى فكر مستنير يستطيع به البشر بناء حضاراتهم مهما كانت الكوارث المحدقة بهم.

فليس هناك أكثر من إلقاء الولايات المتحدة لقنبلتين نوويتين على اليابان إبان الحرب العالمية الثانية، لكن اليابان قامت من هذه الكارثة غير المحدودة، وبنت حضارة أصبحت ملء السمع والبصر صارت محل إعجاب من الجميع.

وأمريكا اليوم، وهى تواجه أزمات سياسية خارجية، وقضايا داخلية معقدة وأزمات اقتصادية فارقة، لم تيأس وتركت الباب مفتوحا لإجتهادات العلماء والمتخصصين كل في مجاله، ليكون العلم طوق النجاة لأمريكا من دوامة العولمة.

أما العرب فهم يملكون أسباب الحضارة ومقوماتها وتراثها، وليس هناك بد أمامهم سوى التحرك للحاق بركب الدول المتقدمة، مع الإستفادة من تجاربهم كي لا يقعوا فريسة العولمة، وحتى يتقوا شر الحداثة الغربية غير السوية من حيث أهدافها المادية الطاغية، فالمطلوب إحداث نهضة علمية وتعليمية عربية تقوم على إقتصاديات قوية، وعقليات راجحة، وضمائر يقظة بالقضاء على الفساد، والصعود فوق منابر الحضارات بإشعال قيثارات الثقافة لتنير بأضوائها المعرفية جوانب البلدان العربية، بدلا من إشعال نيران الفتن والمؤامرات الرخيصة التي تفرز الصراعات الهوجاء والحروب المدمرة.

أحمد حسين الشيمي - مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق