ذكريات في شيكاغو.. ٢

بقلم/
مصر : ۲٤-۳-۲۰۱٤ - ۱۲:۱۰ ص - نشر

ChicagoAirportها قد حطت قدماي أرض أمريكا، الدولة الأعظم في العالم والتي طالما حلمت بزيارتها ولقاء أشقائي وأحبتي فيها، بعد أن فرقنا القدر سنوات طويلة، خطوات قليلة من الطائرة وأصبحت في مطار شيكاغو، كنت نصف نائمة على نصف مستيقظة، فقد أمضيت في الطريق قرابة اليومين دون نوم أو راحة.

وأخيرا وصلت، لقد بدت لي اللحظات الأولى كأنني أحلم فلازلت أشعر بدوي أذني خلال هبوط الطائرة، لم أصدق أننا أصبحنا على الأرض ثانية، سرت بخطوات مهتزة من الإرهاق والتعب نحو صالة الاستقبال وفجأة توقفت لأتأمل أين أنا، وسألت والداي هل هذه حقاً أمريكا؟ فقالا لي نعم إنها هي، فقلت لهما وهل هذا هو المطار الذي يؤمه الآلاف بشكل يومي؟ فقالا نعم.

فتعجبت من البساطة التي بدا فيها مبنى المطار وأثاثه، حتى تأملت سقفه وأرضيته فوجدتهما أبسط مما توقعت بكثير، فتذكرت قسم الضيافة في منزلي، والذي يحتل أكثر من نصف مساحة المنزل، وما أنفقته أنا وزوجي على مدار سنوات من مال ومجهود لأضع فيه كل الديكورات واللوحات، والمرايا، والأزهار لاستقبال ضيف أو ضيفين على الأكثر كل عدة شهور، وخجلت من مقارنته بذلك المطار الذي يزوره يومياً آلاف الضيوف من العالم بأسره دون أن يعطي أية أهمية للمظاهر التي نحرص عليها نحن العرب، فأدركت منذ اللحظة الأولى أنني في عالم مختلف عما اعتدت أن أكون.

وقت ليس بطويل أمضيته حتى خرجت لأقابل أشقائي بعد فراق دام سنوات عديدة، وانطلقنا معاً لتبدأ فعاليات رحلتي المشوقة، لقد كان الجو بارداً للغاية، برودة لا يمكن وصفها بكلمات، برودة ذكرتني بشعوري عندما أفتح باب المجمد الكهربائي في يوم شتاء عاصف، الثلوج كانت في كل مكان، فوق الأشجار والنوافذ إلا أن الشوارع كانت نظيفة وخالية من الثلوج التي اتخذت مكانها فقط على جانبي الطريق لترسم لوحة طبيعية تعجز عن رسمها يد إنسان، استنشقت حينها هواء لازلت أذكر مذاقه النقي، لا غبار ولا تلوث ويبدو حتى الجراثيم لا تستطيع العيش في ذلك المكان، فقلت في نفسي يا حسرتي على الهواء الملوث المملوء بعوادم السيارات أو الروائح النتنة التي نضطر لاستنشاقها كلما مررنا بجوار حاوية قمامة، أو مجمع قمامة من تلك المجمعات العديدة التي تنتشر في الأسواق، وبين البيوت وفي الحارات.

استقلينا تلك السيارة الطويلة "لموزين" التي كنت أراها في الأفلام والمسلسلات، شعرت بأنني نجمة خاصة حين تأملت سقفها الرائع المزين بالألوان الجميلة والمصابيح الساحرة، وصوت الموسيقى الصاخبة أضفى على المكان روعة وسحراً أكد لي أنني أحلم.

وهنا توقفت بنا السيارة الجميلة عند مطعم عربي جميل، يقدم الأطباق المشوية بشكلها الرائع وحجمها الكبير، ومذاقها المميز، وفوجئت بالنادلات اللواتي كن يرتدين الثوب الفلسطيني، فقلت إذن ها هو الثوب الفلسطيني لقد اشتقت لرؤيته، حتى هو الآخر هاجر وترك الأرض والوطن بحثاً عن مزيد من الحرية والأمان، أم وجد من يقدره ويذكره بوطن جريح يتألم.

رغم ذلك استطاعت روعة الطعام أن تسرقني من تعجبي هذا، ونسيت في هذا المكان أنني في أمريكا، وظننت أنني في في بيت من بيوت غزة أو ربما على مائدة طعام تشرف على جبال رام الله.

توجهنا الى بيت أخي الذي يبعد مسافة ليست كبيرة عن المطعم العربي هذا، وها قد وصلت إلى البيوت الخشبية المثلثة الأسقف، الجميلة التي ذكرتني بكرتون توم وجيري، والتي اصطفت بشكل منظم ومتناسق بنفس اللون تقريبا ونفس التصميم، فبدت المنطقة وكأنها لوحة من لوحات أحد الرسامين العالميين أو مشهد جميل من مشاهد أفلام الكرتون القديمة، وشاهدت حينها أكوام الثلوج المتراكمة على جانبي كل منزل بعد أن تساقطت عن القمة المثلثة الشكل فأدركت حينها سبب بناء المنازل على هذا الشكل، فضحكت بصوت مرتفع لتعجبي من تقليد الكثيرين في الدول العربية لبناء مثل هذه المنازل حتى أصبحت رمزاً للثراء، رغم أن كل ما يجلبه لنا فصل الشتاء مجرد أمطار دافئة بالكاد تغسل الشوارع وتزيل الغبار عن السيارات والأبواب القديمة، أما الثلوج فلا تعرف الطريق إلينا، ولكن للأسف البعض ينفق أموالاً طائلة من أجل التقليد لا أكثر، دون التفكير في جدوى هذا التقليد، وبدأت أيامي الأربعين في شيكاغو.

نيفين أبو هربيدفلسطين

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

سلسلة المقالات:

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك